في رواية شخص ما أستمع إليها
أجلس بكرسي أمام
كهل عجوز، يحمل علامات في وجهه وكساح في قدمه أثر الشيخوخة يسطح بعينه في الأفق ويهز
رأسه طربًا بذكرياته قائلًا: كانت ليلى أعظم إنسانة عرفتها مازلت أحمل رسائلها المطوية
في محفظتي أحفظها عن ظهر قلب.
زاد تركيزي ولاحظتُ
وجهه يميل إلى الحزن فرددتُ: ومن ليلى يا حاج إبراهيم
اختنق صدره وكح
كحة خفيفة: ليلى كانت إمرأة تمثل عالمًا بأكمله أحببتها بقدر أن لا أعلم الحب مره أخرى.
كان الحاج إبراهيم
يبلغ من العمر 55 عامًا، يعمل شيفًا للأطعمة المشوية على الفحم، لديه قدر عالي من العلم
لا يحمله أي شخص، لم ينل شهادة تثبت مقدار ثقافته وحكمته في حياة، أجلس يوميًا لأستمع
تجاربه الخاصة، صباحًا أعد لنا إبريق الشاي ونطّلع على أخبار اليوم من الجرنال ونتناقش
في القضايا السياسية وغيرها وكان يدهشني دائمًا بآراءه المقنعة.
فرددت قائلًا:
كيف ومتى ؟!
حينما كنت شابً كانت ليلى جارة جديدة لدى حينا الشعبي في الزاوية الحمراء، كانت يتيمة حيث فقدت أبيها
وهي حديثة الولادة، في يوم من الأيام تحت آشعة الشمس الحارقة لمحت عربة حصان تحمل أثاث منزل، سيدة وشابة مثلي، فطلعت عيني أنهما لن يساعدهم أحد في نقل الأساس للبيت الجديد.
أسرعتُ بعفوية
بدور أي رجل أن يساعد، ولأنه كان عارًا أن تثقل مرأة في أمور مثل ذلك، فعرضت المساعدة
في نقل كل شيء من أثاث منزل.
فرحت ليلى؛ تلك
الفتاة حيث كانت أول نظرات لها وأنا يملئني الحب بداخلي، تثير عواطفي على ألحانها وأنا
أسمعها تعزف الكمان لليل
كانت فنانة مثقفة،
عصفورة، عذبة الكلام وذكية العطر لشذاها دفق سحري لطيف، تضع بهجة للأشياء من حولها،
تشبه الفنانات الغربيات تلك التي كنت أشهدها على المجلات المترجمة وقليل من التلفاز،
يبدأ الحب بتعلقي الشديد لها، فكنت أجلس في شرفتي لأسمع عزفها على الكمان ليلًا، وأسمع
صوتها العذب وهي تغني لفيروز:
يا قمر على دارتنا
يا هلا يا حبيبي
غالي الدهب
أنا وسهرانة
جلنار
أمي يا ملاكي
يا حبيبي كلما
هب الهوى
غيبي ولا تغيبي
الأوضة المنسية
شال
يارا
يوم ويومين وجمعة
بتشوف بكرة بتشوف
ردي منديلك ردي
أنا لحبيبي
**
كان الحب بين أوتارها تعزفه بطريقة ما تجعلني أقف في الشرفة دون ملل أو تعب حتى تنتهي.
مضى لعقلي سؤلٌ
كيف لها أن تجعلني منجذب لها مثل المغناطيس! ففي كل فرصة سنحت أن أراها تلحقها عيني
وأحيانًا أتتبع مساراتها كأنني حارسها الشخصي، لكنه الحب يا ولدي وليس به علة.
****
في عام 1975 تقدمت
للصف الثاني في مدرسة الزاوية الحمراء الفنية، واندهشت أنها تلحقني في الصف واختيارها
للقسم التجاري
وكانت والدتها
مدرسة انضمت لقائمة المعلمين في قسم آخر.
في يوم ما تبدلنا
ابتسامات جائرة، من كان يضع عينه من زملائي عليها، لكن هيهات لهم أصابهم الإحباط من
النيل من هذه الفتاة.
بدأت علاقتي بها
كصديق وزميل دراسي ولكن ليس فقط كان يجمعنا عالم آخر.
من العزف على الكمان،
نتشارك الكتب الأدبية، نتشارك الكتابات الخاصة، في لليل المؤنس دائماً لحضوري لها،
تحب توفيق الحكيم أديبي المفضل، أحب سماعها تغني وتعزف ألحنًا لفيروز.
رائعة تلك الأنثى
التي تعرف أن جمال شكلها لا يكتمل إلا بجمال عقلها، تمثل عالمًا، إن لم تكن كذلك لم
تكن في ثنايا حديثي اليوم
***
كان والدي بائع
الخبز الفاخر لدى الحي، في يوم من الأيام أتت ولدتها لتطلب بعض الخبز بستة مليم فحد
شجار في الحارة كان عادة والدي السيئة لا يستطيع التعامل مع الجنس الأخر، ولم تطيق
طريقته، بل ردعته بصوتها الجائر.، فأسرعت إليهما مازلت أتذكر هذه الكلمات
" ابنك صاحب فضل
وكرم للأسف مش زيك، كويس إن أنا عرفتك "
أوقع هذا الشجار
صعقه على قلبي، كنت أتطلع إلى ابنتها وكيف الطريق بعد ذلك لكن الأيام تنسي الناس، نعم
لم يمنع هذا إلى خطبتها في يوم، كنت شابًا عفويًا بقدر أنني لا أعلم ماذا تخبيء لي
الأيام.
كان والدي على
علاقة وطيدة بعمي، ويأنس أن يطلب لي يد ابنته، وهذا ما يوثق العادات والتقاليد في هذه
العائلة، كنت أمقت هذا لم أكن أرى حياة والدي إلا مساق بالعادات والتقاليد دون وعي
وإدراك مشاعرٍ ما، فرفضتُ وشد الخلاف بيني وبين والدي، من يعلم الحب لا أحد في تلك
العائلة يفهم لها معانٍ، هم يعتقدون هؤلاء الحمقى الذي يقهقهون على شاشات التلفاز والقصص
الخيالية يعرفون الحب فقط أما فهو له ميثاق وعرف في تلك العائلة أبن العم لبنت العم،
وما أن جدي أمر والدي على زواجي من ابنة عمي لكن الحياة تريد الإستمرار على ذلك، لن
تستمر حينما أرفض التقدم لخُطبة ابنة عمي، فطردني والدي من البيت وما حال أمي هو الصمت
والبكاء لم تستطع أن تشارك في أي رأي، ابن رفض الزواج فأصبح ولدًا عاق.
مرت أيام وأنا
بعيد عن عائلتي، أقيم وأعمل في قهوة لصديق لي، في تلك الأيام نتبادل الرسائل الورقية
ونتتبع نظراتنا لبعضنا البعض نادرًا إن كنا نتحدث مخافة من أهل الحارة والمتذمرين،
أو أن تعلم والدتها علاقتنا السرية.
في يوم من الأيام
لا أذكره متى تقدم مهندس محمود بطلب يد ليلى، فقد كان شديد الأعجاب بأنوثتها تلك الرجال
التي تقدس ملامح الأنوثة فقط، هذا ما وضع فتاة أنوثتها الطاغية تطرحه أرضًا كان محمود يعمل في مكتب فني في شركة خاصة للكهرباء من
أسره متوسطة الحال تجوب إلى الثراء بعد وضع أبنه البار واستقلاله المالي
لكن مهندس محمود كان شخص أحمق سذج اجتماعياً، فرحت
ولدتها لم لاقت مقومات خاصه له تأمن مستقبل ابنتها، أشتد امر ليلى أن تقدم عذراً
واحد لرفضه، فالمرأة في ذلك الوقت كما يقول المثل الشعبي
" الست ملهاش إلا بيت جوزها والمعاه يلزمه ومعهوش
ما يلزموش "
*****
أخرج الحج إبراهيم عقب سيجارة كيلوبترا بين أصابعه ينفس
الدخان في حلقات متتالية وبصوت حانق قائلاً:
كيف لفقير مثلي لا يملك إلا كتابات أن ينال ليلى،
متطلبات الحياة يا ولدي أكبر من الحب، المشاعر لا تحمل الحقيقة المطلقة وليس كل ما
نتمناه تقبله الأقدار، فيجب أن تعلم يا ولدي أن الحياة ليست عادلة
وإن انصفتك فهذا قدرك من الله فأقدرنا مكتوبة في السماء
وليست في الأمنيات..
في 15 من يناير سنة 1977 عقب خروج مصر من حرب أكتوبر
ارتمت أحضانها في الرأسمالية وفرضت الدولة بعد القوانين لخفض
الدعم على الاحتياجات الأساسية منها السكر والخبز والشاي وبعض السلع الأخرى فشاركت
في المظاهرات العمالية مع أصدقائي حدثت بعض أعمال الشغب في حي شبرا وأشتبه في بعض
ضباط الأمن فاعتقلوني حين فضت المظاهرة الحاشدة مرت ستة أشهر من عمري لتحقيق في
قاضيا تظاهر وأعمال شغب ولاكن النيابة أفرجت عني مع بعض رفقائي والمعتقلين السياسيين..
حينما رجعت الحي تزوجت ليلى المهندس محمود وغادرت الحي
هي ولدتها وانقطعت أخبارها عني.
ومرت الحياة من كلل وتعب وأرق كعرق تلك الطبقة الكادحة
في مطلع عامي الثلاثين تزوجت من بنت عمي وكمثل أبي ومثل جدي لكي أصبح مقبولاً من
العائلة ومرت الحياة ومتطلباتها ومشقها...
لكنى قسمت يمنياً أن يستحيل ولدي أن يتقدم لزواج من بنت أخي حته وإن كانت منيته، لتنتهي تلك العادات والتقاليد الراجعية ..

3 تعليقات
عظمه يابني والله أتوقع إنك هتبق كاتب عظيم
ردحذف❤️❤️❤️🙏
حذفممتااااااااازة وربنا جميل جداا
ردحذف